
نعتقد كلنا إن الأهرامات هي أقدم شيء في العالم.. لكن ماذا لو قلت لك إن في مدينة بتركيا سكنها البشر قبل بناء الأهرامات بـ 4500 سنة؟! أهلاً بكم في ‘تشاتال هويوك’.. اللغز الذي لم تسمع عنه من قبل
تخيل مدينة كاملة.. بدون شوارع! بيوت ملتصقة ببعضها، والدخول إليها ليس من الأبواب بل من فتحة في السقف! هذه ليست قصة خيالية، هذه أقدم مستوطنة بشرية في التاريخ.. ‘تشاتال هويوك’ بتركيا. تعالوا أريكم كيف كان يعيش 10 آلاف شخص قبل 9000 عام!”
تُعد مدينة تشاتال هويوك (Çatalhöyük) الواقعة بالقرب من مدينة قونية التركية، واحدة من أقدم وأهم المستوطنات البشرية في العالم القديم. ورغم أنها قد لا تحظى بشهرة الأهرامات، إلا أن الحقائق التاريخية تضعها في “سباق الزمن” كحاضرة سبقت عجائب الدنيا بآلاف السنين؛ فبينما بُنيت أهرامات الجيزة في عهد الأسرة الرابعة (2600-2500 ق.م)، يعود عمر أقدم طبقات تشاتال هويوك إلى عام 7100 قبل الميلاد.
هندسة معمارية بلا شوارع
كشفت أعمال التنقيب التي بدأها الباحث البريطاني جيمس ميلارت عام 1958 عن نمط حياة فريد ومذهل:
- بيوت السقف: صُممت المدينة بلا شوارع فاصلة، حيث كانت البيوت الطينية متراصفة ومتصلة ببعضها البعض، وكان السكان يدخلون منازلهم عبر فتحات في السقف باستخدام السلالم.
- تخطيط دقيق: قُسمت المنازل من الداخل بمهارة؛ فاحتوت على غرف خاصة للمؤونة، وتوسط الغرف الرئيسية “تنور” للخبز.
- التلال التراكمية: مع مرور الزمن، بُنيت البيوت فوق بعضها البعض على شكل طبقات، مما جعل المستوطنة تبدو اليوم وكأنها تلة اصطناعية شاهقة.
مجتمع ذكي واقتصاد مزدهر
احتضنت المدينة مجتمعاً حيوياً قُدّر بنحو 10 آلاف نسمة، برعوا في تطويع الطبيعة وتطوير مهارات الاستقرار:
- الزراعة والتدجين: كانوا رواداً في زراعة الحبوب وتدجين الحيوانات، مما شكل قفزة في مسار التطور البشري.
- الابتكار في الصيد: اخترعوا أدوات حادة وآلات متطورة مكنتهم من صيد الحيوانات المفترسة والأسماك من النهر المجاور الذي كان شريان الحياة للري والشرب.
- الحراك التجاري: لم تكن المدينة معزولة، بل أثبتت اللقى الأثرية أنها كانت مركزاً تجارياً نشطاً تواصل مع حواضر البحر المتوسط والبحر الأحمر.
لغز مستمر تحت الرمال
يرى الكاتب آرون رذاذ في تقرير لموقع “The Travel” أن تشاتال هويوك كانت بمثابة “مدينة بدائية عظمى” في العصرين الحجري الحديث والنحاسي، حيث بلغت ذروة ازدهارها حول عام 7000 قبل الميلاد.
اليوم، لا تزال أعمال التنقيب مستمرة، ويؤكد علماء الآثار أن الموقع لا يزال يخفي الكثير من الأسرار، مع توقعات بأن التلال المحيطة قد تضم مستوطنات شبيهة، وربما تكون أقدم بكثير مما تم اكتشافه حتى الآن.
حاضرة تاريخية وإنسانية ثرية بالشواهد والآثار التي تروي قصص تطور الإنسان وحكايات المجتمعات والتواصل الحضاري
