
عبير حريز
عرف الفنان اللبناني وهيب بتديني (1929-2011)بقدرته الاستثنائية على تطويع اللون والضوء في لوحاته، حيث تتحول ضربات الفرشاة إلى مساحات نابضة بالحياة، تتداخل فيها الظلال والأنوار بانسجام يذكّر بروح المدرسة الانطباعية. وتفيض أعماله بألوان مشرقة تبعث البهجة في النفس وتمنح المشاهد إحساسًا دائمًا بالحركة والحياة.
رغم هجرته إلى الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات، بقي الفنان اللبناني وهيب بتديني حاضرًا بقوة في ذاكرة الفن التشكيلي اللبناني، بوصفه أحد رواده وأبرز من وثّقوا جمال الريف اللبناني وناسَه. استمد أعماله من الطبيعة الجبلية والحياة الشعبية، فرسم القرى والحارات والوجوه البسيطة بألوان نابضة بالحياة، غلب عليها اللون الأخضر. جمع في أسلوبه بين الواقعية والانطباعية والتعبيرية، مع حفاظه الدائم على هويته اللبنانية رغم تأثره بالتجارب الفنية العالمية. وإلى جانب الرسم، برع في النحت، وخلّد شخصيات وطنية بارزة وأحداثًا مفصلية من تاريخ لبنان، ليبقى اسمه واحدًا من الأسماء التي تركت بصمة راسخة في الفن اللبناني.

استلهم بتديني موضوعاته من تفاصيل الحياة اليومية والبيئة الشعبية، فرسم وجوه الكادحين والبسطاء؛ من بائع العرقسوس والحطّاب والمزارع إلى بائع الماء، موثقًا مشاهد تعكس نبض المجتمع وهمومه وأحلامه. ومن خلال هذه الأعمال، أثبت أن الفنان، شأنه شأن الكاتب والشاعر، قادر على قراءة الواقع الاجتماعي والتعبير عنه بلغته الخاصة وأدواته الإبداعية.
وكان بتديني يرى في الفن رحلة بحث دائمة عن الجمال،بين الأشجار والجبال، وتعرجات الأنهار، مشبعاً بالضوء، أو يتوارى الضوء، مما يدل أنه وقت الغروب، كل هذا يؤثر على حركة فرشاته في منح الظل والنور بألوان سميكة، تترك تأثيرها على سطح قماشته.وبحث عن الناس بين الحارات القديمة، مما منح تلك الحارات الحياة، فالأماكن تنتعش بأهلها. رصد أزيائهم، أعراسهم، وجلسات السمر التي تجاور أبواب البيوت وجدران المنازل. كل هذا الرصد دفع الراحل كمال جنبلاط ليقول عنه: «الفن المتدرج نحو صيرورة أكمل، وتقنية مزج الألوان، وإظهارها والواقعية المعبرة عن صميم الحركة، في الحياة، والرمز إلى ما يتقدم كل ذلك أحياناً ـ كلها تبرز ـ غير منتقاة، ولم يستقر إليها بعد ذهن المصور، في هذه اللوحة المعرض، التي يصف الفنان الشاب المناضل، وهيب بتديني، ما تختلج به النفس، فهو في النهاية ابن الشوف العميق بالتراث، والمفعمين بمساقط الحكمة والتقاء ينابيعها في النفوس عبر التاريخ.
كما أولى اهتمامًا خاصًا للحارات القديمة والبيوت التراثية وسكانها، فرصد أزياءهم وأعراسهم وجلسات السمر التي كانت تجمعهم أمام البيوت، ليمنح الأمكنة روحها الحقيقية عبر حضور أهلها فيها.
بدأت مسيرته الفنية الأكاديمية بعد حصوله على درجة الماجستير في الرسم والتصوير الجداري من معهد سوريكوف الحكومي في موسكو عام 1966، قبل أن يعود إلى لبنان ليعمل أستاذًا ورئيسًا لقسم الفنون في الجامعة اللبنانية. كما نال جائزة الأديب اللبناني Said Akl مرتين، عامي 1970 و2003، تقديرًا لإسهاماته الفنية المتميزة.
وعلى امتداد مسيرته، واصل بتديني تطوير رؤيته الفنية وتقديم تجارب جديدة، مؤكدًا أن التجدد جزء أساسي من رحلة الفنان. فلوحاته ليست مجرد مشاهد جامدة، بل لحظات إنسانية نابضة بالحياة، تحفظ ذاكرة المكان والإنسان وتمنحها حضورًا دائمًا عبر الزمن.
